أحمد أمين

52

كتاب الأخلاق

4 - من أهم ما يساعد على تربية الخلق أن يخصص الإنسان نفسه لنوع من أعمال الخير العامة يضعها نصب عينيه ، ويجعلها غاية له يعمل لتحقيقها ، وهذه الغايات كثيرة يتخير منها الإنسان ما يتفق مع ميوله واستعداده ، وذلك كبحث علمي أو ترقية ملكته الشعرية ، أو أن يسعى لترقية أمته من ناحية اقتصادية أو سياسية أو دينية ؛ إذ لا بد أن يكون لكل إنسان فرع من هذه الفروع وأمثالها يتعشقه ويهيم به ، فمن ذلك ينمو حبه للناس وتجد الفضيلة فيه تربة صالحة للغذاء والنمو ، وبدون هذا يعيش عيشة ضيقة تافهة يقضيها حول التفكير في شخصه . 5 - ما ذكرناه في « العادة » من حمل النفس على الإتيان ببعض أعمال لا يقصد منها إلا تذليلها ، والتبرع كل يوم بعمل يراد منه تعويد النفس الطاعة وحفظ قوة المقاومة حتى تلبي داعي الخير وتعصي داعي الشر . علاج الخلق : كان أرسطو يقول : « إذا تعدى خلق امرئ حده فليقومه بالميل إلى ضده » ، فإذا أحس من نفسه بإفراط في نوع من الشهوات ، فليضعف هذا الميل بشيء من الزهد . ويلاحظ أنه خير للإنسان إذا أراد التخلص من خلق سيىء ألا يديم التفكير فيه ، وألا يطيل محاسبة نفسه ، بل يجتهد أن ينشئ محله خلقا جديدا كريما ، فإن إطالة التفكير والمحاسبة قد تؤدي إلى انكماش النفس والإحساس بضعفها ونقصها وفقدان الثقة بها . أما إن هو أخذ ينشئ محل القديم السئ جديدا صالحا نشطت نفسه وانفتح أمامها باب الرجاء ، فمن كان سكيرا مثلا فلا يطيل التفكير في أنه سكير إلا بمقدار ما يتحول عن هذا العمل ، وليوجه ميله إلى عمل جديد كمطالعة كتاب لذيذ أو القيام بعمل عظيم يستغرق فكره ، وينسيه سكره . ومن اعتاد أن يضيع أوقاته في محال الملاهي وفي أندية اللعب ، فيرسم لنفسه خطة جديدة ويحبب إليها عملا مفيدا ، فبذلك يتحول عنده الميل السئ إلى ميل آخر صالح ، وهكذا .